فخر الدين الرازي

368

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اظهر الصوت من ذلك التمثال ثم القى إلى الناس / ان هذا العجل إلههم واله موسى . بقي في لفظ الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قيل وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً والمتخذ هو السامري وحده ؟ والجواب فيه وجهان : الأول : ان اللّه نسب الفعل إليهم ، لان رجلا منهم باشره كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا والقائل والفاعل واحد ، والثاني : انهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم اجتمعوا عليه . السؤال الثاني : لم قال : مِنْ حُلِيِّهِمْ ولم يكن الحلي لهم وانما حصل في أيديهم على سبيل العارية ؟ والجواب : انه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم وصارت ملكا لهم كسائر املاكهم بدليل قوله تعالى : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ الدخان : 25 ] وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ [ الشعراء : 58 ] وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ [ الدخان : 27 28 ] . السؤال الثالث : هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم ؟ والجواب : ان قوله تعالى : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا يفيد العموم . قال الحسن : كلهم عبدوا العجل غير هارون . واحتج عليه بوجهين : الأول : عموم هذه الآية ، والثاني : قول موسى عليه السلام في هذه القصة رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي قال خص نفسه وأخاه بالدعاء وذلك يدل على أن من كان مغايرا لهما ما كان أهلا للدعاء ولو بقوا على الايمان لما كان الأمر كذلك وقال آخرون : بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فان ذلك الكفر انما وقع في قوم مخصوصين والدليل عليه قوله تعالى : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ الأعراف : 181 ] . السؤال الرابع : هل انقلب ذلك التمثال لحما ودما على ما قاله بعضهم أو بقي ذهبا كما كان قبل ذلك ؟ والجواب : الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين : الأول : قوله تعالى : عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ والجسد اسم للجسم الذي يكون من اللحم والدم ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف سواء كان من اللحم والدم أو لم يكن كذلك . والحجة الثانية : انه تعالى أثبت له خوارا وذلك انما يتأتى في الحيوان . وأجيب عنه : بان ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد اطلاق لفظ الخوار عليه وقرا علي رضي اللّه عنه : ( جؤار ) بالجيم والهمزة من جار إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب . [ في قوله تعالى أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ] واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل الها بقوله : أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ وتقرير هذا الدليل ان هذا العجل لا يمكنه ان يكلمهم ولا يمكنه ان يهديهم إلى الصواب والرشد وكل من كان كذلك كان اما جمادا واما حيوانا عاجزا وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للالهية واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلما ولا هاديا إلى السبيل لم يكن الها لان الإله هو الذي له الأمر والنهي وذلك لا يحصل الا إذا كان متكلما فمن لا يكون